رسالة إلى المصريين

السياق

كُتب هذا المقال في الأَيام التي تَلَت تَنَحّي مبارك في 11 فبراير 2011. كان أوّل تَدخّل عَلَني مَطوَّل لِصَباحي بعد ذلك التاريخ. النصّ يَجمَع بين الفَرَح بسقوط النظام، والتَّحذير من أَنّ المعركة لم تَنتهِ.

«أَيها المصريون : لقد فَعَلتم الإعجاز. ثَمانية عشر يومًا غَيَّرت وَجه التَّاريخ، وَأَعادت إلى مصر اسمها بَين الأَحرار. لكنّني أكتب إليكم اليوم لِأَقول : الثَّورة بَدَأت، ولم تَنتهِ.»

في ميدان التَّحرير، رَأَيت ما لم أَتَوَقَّع أن أَراه في حياتي. شَبَّان من كلّ المُحافظات، فلَّاحون قَدِموا من بَلاد بعيدة، عُمَّال نَزَلوا بِعَدّتهم وَخُبزهم. رَجال ونساء، مُسلمون وأَقباط، يَجلِسون مَعًا على بَطّانية واحدة، يَأكُلون الخُبز نَفسه، يَتَنَفَّسون الهَواء نَفسه. هذه الصُّورة، يا أحبَّتي، لم تَكُن مَوجودة قبل 25 يناير. هذه الصُّورة هي الثَّورة.

ما ربحناه

رَبِحنا ثَلاثة أشياء أَساسية :

أَوَّلًا، رَبحنا الكَرامة. لِأَوّل مرَّة منذ ثَلاثين سنة، يَستطيع المصري أن يَقول رأيه دون أن يُلقى به في الزَّنزانة. هذا في حدّ ذاته إنجاز يُسَجَّل في التَّاريخ.

ثانيًا، رَبحنا الأَمل. كان جيلٌ كاملٌ يَعتقِد أنّ التَّغيير مُستحيل. ميدان التَّحرير عَلَّمَنا أنّ المُستحيل لا يُوجَد إلا في عُقولنا.

ثالثًا، رَبحنا أَنفسنا. مصر اكتَشَفَت ذاتها من جَديد. اكتَشَفَت أَنّها لَيست مُجرَّد بِلاد فَقيرة مُتَأَخِّرة، بل بِلاد قادرة على أن تَكون نَموذجًا.

ما يَنتظِرنا

ولكن، يا أَحبَّتي، الطَّريق ليست مَفروشة بالوَرود. أَمامنا تَحَدِّيات كَبيرة :

هُناك مَن سَيُحاوِل سَرقة ثَورتنا. سَيُقَدِّمون أَنفسهم كَأَبطال، وهم في الحقيقة ضِيوف على الميدان. سَيَقولون لكم إنّ الديمقراطية تَعني فَوضى. لا تُصَدِّقوهم.

هُناك مَن سَيُحاوِل تَحويل الثَّورة إلى قَضاياه الفِئَوية. الإسلاميون سَيَطلُبون دَولة دينية. المُلَيونيرات سَيَطلُبون اقتصادًا حُرًّا بلا قَواعد. لا أَحَد منهم يُمَثِّل ميدان التَّحرير.

وَهُناك المجلس العسكري. هؤلاء الرَّجال يَقولون اليوم إنّهم يَخدُمون الثَّورة. هَل نُصَدِّقهم ؟ التَّاريخ يَقول إنّ الجُيوش لا تُصَدِّق بالكلمات، بل بِالأَفعال. سَنَنتظِر. سَنُراقِب. وَسَنُحاسِب.

ما يَجب فِعله

الثَّورة تَنتَقِل اليوم من الميدان إلى صَناديق الاقتراع. هذا الانتقال ضَروري، ولكنّه خَطير. صَناديق الاقتراع وَحدها لا تَكفي. تَحتاج إلى :

  • دستور جَديد يَكتُبه المصريون، لا يَكتبونه لِلمصريين ؛
  • قَضاء مُستَقِلّ، يُحاسِب الجَميع بِما فيهم الرَّئيس ؛
  • إعلام حُرّ، لا يَخدم سُلطة، ولا حِزبًا، ولا رَجُلًا ؛
  • اقتصاد عادل، يَضَع الفقير في القَلب، لا على الهامش.

أَيُّها المصريون، ثَورة 25 يناير ليست نِهاية. هي بِداية. مَن يَظنّ أنّ المعركة انتهت بسقوط رَأس النظام، يَنام في غَفلة. النظام ليس رَجلًا، النظام نَموذج للحُكم. وهذا النَّموذج لم يَسقُط بَعد.

عَلَينا أن نَبني نَموذجًا جَديدًا. نَموذج العَدالة، الحُريّة، الكَرامة. هذه ليست شعارات. هي أَدوات حُكم. وَسَنَجد طَريقَنا، ميدانًا تِلو ميدان، وَقَريَّةً تِلو قَريَّة، وَمَدرَسَةً تِلو مَدرَسة.

أَشكُركم. شُكرًا لِلشَّباب الذين عَلَّمونا أنّ التَّغيير ممكن. شُكرًا لِلشَّهداء الذين كَتَبوا تَاريخنا بِدِمائهم. شُكرًا لِكُلّ يَدٍ أَمسَكت بِيَدٍ في ميدان التَّحرير.

حَمدين صَباحي
القاهرة، فبراير 2011