في المعارضة

حياة سياسية كاملة في المعارضة. أَربعة رؤساء، ثلاثة نظم سياسية مختلفة، وموقف ثابت من السلطة. حمدين صباحي يَجَسِّد نَموذجًا نادرًا في مصر : السياسي الذي رَفَض السلطة من كلّ من جاء بها، حتى عندما كانت السلطة تَنتمي إلى التَّيار الذي ساعدها على الوصول.

معارضة السادات (١٩٧٠–١٩٨١)

الفترة الأولى من المعارضة كانت أَصْعَبَ الفترات. السادات يَفرِض «الانفتاح الاقتصادي»، يَتَّجِه نحو الولايات المتحدة، ويُوَقِّع كامب ديفيد 1979. النَّاصريون، الذين كانوا حُكّامًا بالأمس، يَجدون أَنفسهم في المعارضة فجأة.

صباحي، طالب في تلك الحقبة، يَنخرِط في الحركة الطلابية. مواجهة 1979 التليفزيونية مع السادات تَجعَله شخصية وَطنية. الاعتقالات تَتَوالى. السادات يَردّ بحدة على المعارضين : 1500 اعتقال في سبتمبر 1981 (الاعتقالات الكبرى)، قبل اغتياله بشهر.

معارضة مبارك (١٩٨١–٢٠٠٠)

الفترة الأولى من حكم مبارك تَبدو أكثر هدوءًا : إنهاء حالة الطوارئ المعلَنة بعد اغتيال السادات، إفراج عن بعض المعتقَلين السياسيين. لكنّ ذلك لم يَستمرّ. سرعان ما أُعيدَت حالة الطوارئ، وأَصبَحت قاعدة.

صباحي في هذه السنوات يَعمل عبر الصحافة والعمل التنظيمي شبه السرّي. صحيفة الشعب، ثم العربي التي يُؤسِّسها سنة 1985، مَنبَران للنقد. الاعتقالات تَستمرّ، لكنّها أقلّ كثافة من زمن السادات. النظام يَستخدِم الاحتواء أَكثر من القمع المباشر.

العقد الأخير من مبارك (٢٠٠٠–٢٠١٠)

الانتخاب البرلماني (2000 و2005) يَفتَح لصباحي مَنبر مجلس الشعب. خِطاباته في البرلمان جَريئة، تَستفِزّ النظام علنًا. تَمديد حالة الطوارئ، توريث جمال مبارك، الفساد، السياسة الخارجية : كلها مَواضيع يَتناولها بِحدّة.

في 2004، الانضمام إلى حركة كفاية يُؤَشِّر إلى تَحَوُّل : لأوّل مرّة منذ عقود، تَجرُؤ المعارضة على المُطالَبَة العَلَنية بإسقاط الرئيس. صباحي يَكون أحد وجوه هذه الحركة، التي تَهَيِّئ ثقافيًا ٢٥ يناير 2011.

المرحلة الانتقالية (٢٠١١–٢٠١٢)

بعد سقوط مبارك، يَحكُم المجلس الأعلى للقوات المسلّحة مصر لمدة 17 شهرًا. صباحي يَنتقِد المجلس بسبب الإبطاء في تَسليم السلطة، التَّوسّع في المحاكمات العسكرية للمدنيين، والقمع الذي تَخَلَّل بعض الاحتجاجات (محمد محمود، ماسبيرو).

مع ذلك، يَختار الترشّح في الانتخابات الرئاسية بدلًا من المقاطعة. القراءة : المعارضة في الميدان ضرورية، لكنّها لا تَكفي. السياسة الانتخابية، حتى في إطار غير مَثالي، أداة ضرورية.

معارضة مرسي والإخوان (٢٠١٢–٢٠١٣)

بعد فَوز محمد مرسي بالرئاسة في يونيو 2012، يَتَموقَع صباحي في المعارضة. الانتقادات تَركَّزت على :

  • الإعلان الدستوري ل22 نوفمبر 2012 الذي مَنح مرسي صلاحيات فوق القضاء.
  • تَمرير دستور 2012 دون توافق وطني.
  • السياسة الخارجية، خصوصًا تجاه إثيوبيا وقضية المياه.
  • التَّعيينات في المناصب العليا، التي اعتُبِرت «أَخوَنة» للدولة.

مع آخرين، يُؤَسِّس جبهة الإنقاذ الوطني في نوفمبر 2012 مع محمد البرادعي وعمرو موسى. الجبهة تَجمَع المعارضين غير الإسلاميين، وتَدعو إلى انتخابات مبكّرة وتَعديل الدستور.

٣٠ يونيو والمنعطف

احتجاجات 30 يونيو 2013 الضخمة ضدّ مرسي. صباحي يَدعَمها. التَّدخّل العسكري ل3 يوليو الذي يُطيح بمرسي يَجد في صباحي مُؤَيِّدًا في البداية. هذا الموقف سَيَكون نقطة الانعطاف الأكثر إشكالًا في مَسيرته.

أَنصاره يَعتبِرون أنّه قَرَّر منع مصر من السقوط في حكم ديني سلطوي. مُنتقِدوه (في اليسار خصوصًا) يَتَّهِمونه بفتح الباب أمام عسكرة جديدة. النقاش حول صحّة هذا الموقف ما زال مفتوحًا، وصباحي نفسه عاد بالتَّعليق عليه بِنُوع من التحفّظ النَّقدي بعد ذلك.

«أخطأنا حين ظَنَنّا أنّ التَّدخّل العسكري سيكون مَرحلة عابرة. كان علينا أن نَكون أَكثر يَقَظَة منذ البداية.» حمدين صباحي · مقابلة في الجزيرة، ٢٠١٥

معارضة السيسي (٢٠١٤ →)

تَدريجيًا، يَنفصِل صباحي عن السيسي. الانفصال يَتسارَع مع :

  • القانون رقم 107 لسنة 2013 الذي يُنَظِّم التَّظاهر بقيود حادة.
  • الموجة الواسعة من الاعتقالات بحقّ المعارضين، إسلاميين ومدنيين.
  • قرار التَّنازل عن جزيرتَي تيران وصنافير للسعودية (2016) الذي يَنتقِده بِشدّة.

الترشّح في رئاسيّات 2014 أمام السيسي كان أَوّل خطوة في هذا الانفصال. الخطاب الانتخابي كان نقديًا، وإن تَجنَّب المواجهة المباشرة، نظرًا لِسياق إعلامي مغلَق.

المعارضة اليوم

منذ 2015، يَختار صباحي الاحتفاظ بالخطّ النقدي مع تَخفيف الحضور العَلَني. يُصدِر بيانات حول قضايا محدَّدة (سدّ النهضة، الاقتصاد، الانتخابات)، لكنّه لا يَنخرِط في حملات سياسية مفتوحة. هذا الاختيار يَعكِس قراءته للحظة : المساحة العَلَنية ضَيِّقَة، والصَّبر استراتيجية.

هذا الخيار يُلام عليه أحيانًا. ناشطون يَنتظِرون منه مَوقفًا أَكثر حدة. آخرون يَفهَمونه : السياسي المُحَنَّك يَعرف متى يَتكلَّم ومتى يَصمت.