الفكر الناصري
الناصرية ليست عند صباحي إحياءً للماضي. هي قراءة مُنَتَقَلَة لمشروع جمال عبد الناصر، يَحتفِظ بثلاثة ثوابت أساسية — العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني، الوحدة العربية — لكنّه يَتَبَنَّى أيضًا الديمقراطية والتعدّدية، وهي عناصر تَجاوَزَت ناصرية الستينيات.
جمال عبد الناصر في الذاكرة
جمال عبد الناصر (1918–1970)، الزعيم العربي الأبرز في القرن العشرين. قائد ثورة 23 يوليو 1952 التي أَنهَت الملكية المصرية. مُؤَمِّم قناة السويس في 1956. مُحاوِل بِناء الوحدة العربية مع سوريا (1958–1961). داعِم لحركات التَّحرّر في إفريقيا وآسيا. هزيمة 1967 أمام إسرائيل أَلحَقَت بمشروعه ضربة قاسية. وفاتُه في 1970 أَنهَت حقبة.
الإرث الناصري، حسب أنصاره، يَتَجاوز شخص عبد الناصر : إنّه مَشروع لتَحديث مصر والعالم العربي على أسس العدالة والاستقلال. الانتقادات (من اليمين الليبرالي ومن اليسار الراديكالي، ومن الإسلاميين) تَركَّزت على القمع السياسي، اقتصاد الدولة المتضخّم، وفشل الوحدة العربية.
الأركان الثلاثة
١. العدالة الاجتماعية
في المركز من الفكر الناصري، فكرة بَسيطة : الثروة لا تَخصّ القلّة، بل تَخصّ المجموع. هذا التَّوجّه تَجَلَّى في إصلاح زراعي حَدَّ من ملكية الأرض (1952)، تَأميمات في الصناعة والمصارف (1961)، تَوسيع التَّعليم المجاني والصحة العمومية.
عند صباحي، هذه الفكرة تَترَجَم اليوم إلى : دفاع عن الدعم الاجتماعي للسلع الأساسية، نقد الخصخصة، حماية حقوق العمّال، فرض ضرائب تَصاعدية، إعادة التَّوازن لِصالح الفلاحين والريف. ليس عَودة إلى اشتراكية الستينيات، بل تَأكيد على دور الدولة الاجتماعي في عصر العولمة.
٢. الاستقلال الوطني
الناصرية كانت قبل كل شيء حركة استقلال. تَأميم قناة السويس 1956، طَرد القوات البريطانية، عدم الانحياز في الحرب الباردة. عند صباحي، الاستقلال اليوم يَتَّخذ أشكالًا جديدة : رفض الإملاءات الأمريكية، نَقد القاعدة الإسرائيلية في المنطقة، استقلالية السياسة الاقتصادية تِجاه صندوق النقد الدولي.
رَفض التطبيع مع إسرائيل، الذي كان أَحَد ثوابت صباحي منذ شبابه الجامعي، يَنتمي إلى هذا المحور. اتفاقية كامب ديفيد 1979 كانت، حسب هذه القراءة، استسلامًا. والسلام «الحقيقي» يَفترِض حلًا عادلًا للقضية الفلسطينية، لا تَطبيعًا منفصلًا عنها.
٣. الوحدة العربية
حُلم الوحدة العربية — جمع الدول العربية في كيان سياسي واحد — كان مَشروع عبد الناصر الأكبر. الوحدة مع سوريا (1958–1961) كانت تَجلِّيه. فَشَل التَّجربة لم يَمنَع استمرار الفكرة كَمَرجعية.
عند صباحي، الوحدة العربية اليوم لا تَعني الاندماج السياسي الفوري، بل تَكامُلًا اقتصاديًا، تَنسيقًا سياسيًا، وحدةً ثقافية. القضية الفلسطينية تَبقى المحور الجامع. سدّ النهضة الإثيوبي، أزمة المياه، تَنسيق المواقف في الجامعة العربية، كلها قضايا يَدعو فيها صباحي إلى موقف عربي مُوَحَّد.
«الناصرية ليست تَمثالًا نَعبده. هي فكرة نُحَوِّلُها لِتَصلُح لِزَمَنٍ غير زَمَنِها. ولكن إذا فَقَدنا روحَها، فَقَدنا أنفسَنا.» حمدين صباحي · في تَقديم كتاب عن جمال عبد الناصر، ٢٠١٠
جديد عند صباحي
ثلاث نقاط تَمَيِّز قراءة صباحي للناصرية عن الناصرية الكلاسيكية :
الديمقراطية والتعدّدية
ناصرية الستينيات كانت ذات حزب واحد (الاتحاد الاشتراكي العربي). صباحي يَتَبَنَّى تَعَدّدية حزبية حقيقية، انتخابات تَنافسية، حُريات إعلام. هذا التَّحَوّل أساسي. الكَرامة، حزبه، يَعتبِر نفسه ناصريًا ديمقراطيًا.
عَلمانية مَدنية، ليست عَدوانية
صباحي عَلماني الطابع، لكنّه يَتَجنَّب الموقف العَدواني تجاه الدين. الإسلام جزء من الثَّقافة المصرية، والاحترام للمتديّنين أساسي. الخلاف مع الإخوان المسلمين لا يَكمن في تَدَيُّنهم، بل في مَشروعهم السياسي القائم على الدولة الدينية.
قضايا جديدة
أزمة المياه، الفلاحة الصغيرة، حقوق المرأة، البيئة، التَّكنولوجيا الرقمية. كلها قضايا لم تَكن مَركزية في ناصرية الستينيات، لكنّها أَصبَحت كذلك اليوم. صباحي يَدمجها في خطابه.
الانتقادات
الفكر الناصري عند صباحي يَواجِه انتقادات من جهات متعدّدة :
- من الليبرالية الاقتصادية : دور الدولة المُفرَط يَمنَع النموّ.
- من اليسار الراديكالي : النَّاصرية تَحوَّلت إلى نوستالجيا لا تُجيب على تحدّيات الرأسمالية المعاصرة.
- من الإسلاميين : العَلمانية الناصرية تَتَجاهَل الهُويّة الإسلامية.
- من القوميين الانفصاليين : الوحدة العربية وَهم لا يَأخذ في الاعتبار خصوصيات الدول.
صباحي يُجيب على هذه الانتقادات بأنّ الناصرية كَفِكر حيّ يَتَطَوَّر، وأنّ الجَمع بين العدالة والاستقلال والوحدة يَبقى مَطلَبًا مَشروعًا، حتى وإن تَطَلَّب أَدوات وأَساليب جديدة.