حمدين صباحي والربيع العربي

حين بَدَأت احتجاجات يناير 2011، كان حمدين صباحي قد قَضى أربعين سنة في المعارضة. الميدان لم يُفاجِئه : كان جزءًا من جيلٍ هَيَّأَ ثقافيًا لِما يَحدُث. لكنّ ما تَلا الميدان كان أَكثر تَعقيدًا.

ميدان التحرير، القاهرة، خلال أيام الثورة المصرية ٢٠١١
fig. — ميدان التحرير، القاهرة، يناير ٢٠١١

ما قبل ٢٥ يناير

الانتخابات البرلمانية لِنوفمبر 2010 كانت كاريكاتورية في طابعها التَّزويري. النظام أَخفى آخر بَقايا الواجهة الديمقراطية. حركة كفاية وَالحركات الشَّبابية الأُخرى (٦ أبريل، شباب من أجل العدل والحرّية...) كانت تَتَحَرَّك بِنشاط. صباحي، الذي خَسِر مَقعده البرلماني في تلك الانتخابات في ظَرف مَشكوك فيه، كان يَتابع الوضع.

شرارة تونس

في ديسمبر 2010 ويناير 2011، تَنطلِق احتجاجات تونس بعد إِحراق محمد البوعزيزي نَفسه. سقوط زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 كان لحظة كاسرة في المنطقة العربية. لِأَوّل مرّة منذ عقود، رئيسٌ عربيٌّ يَسقط بضغط شَعبيّ.

في مصر، الإلهام كان فَوريًا. الدعوات لاحتجاج 25 يناير (يوم عيد الشرطة، مَناسبة رمزية) انطلقت عبر صفحات فيسبوك («كلنا خالد سعيد»، «٦ أبريل»). صباحي، كَسياسي مَعروف، أَيَّد الدَّعوات.

في الميدان

منذ الأَيّام الأولى، صباحي حاضر في ميدان التحرير. يَنام في الخيام أحيانًا، يَلتقي بالشَّباب، يُلقي كلمات قصيرة. لكنّه يَحرِص على عدم ادّعاء قيادة الميدان. الميدان كان جماعيًا، أفقيًا، بدون قائد. تَكتيكه : أن يَكون حاضرًا، أن يَتَكلَّم عندما يُطلَب منه، وأن يَترك الشَّباب يَقودون.

«الميدان ليس مَنبري. هو منبر مَن لم يَجدوا منبرًا منذ سنوات. أَنا أَتعلَّم من الميدان، لا أَفترِض أنّني أَدُلّه على الطَّريق.» حمدين صباحي · مُقابَلة في الميدان، ٤ فبراير ٢٠١١

سقوط مبارك

في 11 فبراير 2011، نائب الرئيس عمر سليمان يُعلِن استقالة مبارك. الفرحة الجماعية في الميدان. لحظة تاريخية. صباحي، كَكَثيرين، يَصِف هذه اللَّحظة بأنّها أَهمّ يوم في تاريخه السياسي.

لكنّه يُحَذِّر، منذ تلك الأيام، من أنّ «الثورة لم تَنتهِ بسقوط مبارك». المعركة الحقيقية، حسبه، هي بناء النظام السياسي الجديد. هذا التَّحذير سيُثبت صَوابه.

حُكم المجلس العسكري (٢٠١١–٢٠١٢)

المرحلة الانتقالية تَحت قيادة المجلس الأَعلى للقوات المسلَّحة كانت مُضطَرِبة. اعتصام محمد محمود (نوفمبر 2011)، أحداث ماسبيرو (أكتوبر 2011)، توسّع المحاكمات العسكرية للمدنيين. صباحي يَنتقِد المجلس بحدّة، لكنّه يَرفُض الاتجاه إلى مواجهة عَنيفة.

في الانتخابات البرلمانية (نوفمبر 2011 – يناير 2012)، حزب الكرامة يَدخل في تَحالف الكتلة المصرية مع أحزاب علمانية أخرى. النتائج كانت متواضعة : ما يَقارب 3,5% من المقاعد. الإخوان والسلفيون يَكتسحون البرلمان.

انتخابات الرئاسة الأولى

الترشّح للرئاسة في 2012 كان منعطفًا في حياته. تَفصيل النَّتيجة (المركز الثالث، 21,5%) في صفحة منفصِلة. هنا يَهمّ التأكيد : هذا الترشّح كان جزءًا لا يَتجزَّأ من «الربيع العربي» المصري. خَمسة ملايين صوت قَوْميّ علمانيّ ديمقراطيّ، شيء لم يَكن مُتَوَقَّعًا قبل الميدان.

عام مرسي (٢٠١٢–٢٠١٣)

بعد فَوز محمد مرسي بفارق ضَئيل في الإعادة، تَدخُل مصر في عام صعب. الإعلان الدستوري لِنوفمبر 2012، تَمرير الدستور دون توافق، التَّعيينات «الأَخوَنة»، الأَزمات الاقتصادية. صباحي في معارضة فَعلية، عبر جبهة الإنقاذ الوطني.

في يونيو 2013، حركة تَمرّد تَجمع 22 مليون تَوقيع (حسب أَرقامها) ضدّ مرسي. مُظاهَرات 30 يونيو الضَّخمة. صباحي يَدعَمها. تَدخّل الجيش في 3 يوليو يُطيح بمرسي.

ما بعد ٣ يوليو

صباحي، في البداية، يَدعَم الحدث. كثير من الديمقراطيين يَنتقِدونه على هذا الموقف، ويَتَّهِمونه بفَتح الباب أمام عَودة العَسكر. هو يُجيب بأنّ الخيار كان بين إِنقاذ مصر من الانزلاق نحو دولة دينية، وبين تَدَخُّل مُؤقَّت من الجيش. هذا الجواب لا يُقنِع الجميع.

تَدريجيًا، تَتَكَشَّف ملامح المرحلة الجديدة. فَضّ اعتصامَي رابعة والنَّهضة في أغسطس 2013. قَتلى بالمئات. قَوانين تَظاهُر تَكَبّل المعارضة. صباحي يَبدأ في الابتعاد عن السيسي.

حصيلة الربيع العربي عند صباحي

مَوقف صباحي من الربيع العربي اليوم مُعَقَّد. هو يَعتبِر أنّ 25 يناير كان لحظة تاريخية أَصيلة. لكنّه يَعترِف بأنّ المراحل التَّالية لم تَكن مَدروسة بِما فيه الكفاية. القُوى السياسية الديمقراطية لم تَكن جاهزة. الإخوان كانوا أَكثر تَنظيمًا، الجيش أَكثر قوّةً. الفراغ بَينهما تَسَرَّب فيه القَمع.

الدَّرس، حسبه، هو أنّ الثَّورة لا تَكفي. تَحتاج إلى مَشروع سياسي، وتَنظيم، وَزَمَن طَويل لِبِناء بَدائل حَقيقيّة. الميدان فَتح بابًا، لكنّ ما تَلاه من سَنوات أَطفأ كثيرًا من وَهجِه.