السيرة الذاتية

ابن قرية ساحلية في دلتا النيل، طالبٌ خاض المواجهة مع السادات، صحفيٌّ معارض في زمن مبارك، ثم سياسيٌّ يصل إلى المركز الثالث في أوّل انتخابات رئاسية حرة في تاريخ مصر. مسارُ حمدين صباحي، المولود في 1954، يعكس ربع قرن من تاريخ المعارضة المصرية.

الأصول والميلاد

وُلِد حمدين صباحي في 5 يوليو 1954 في قرية بلطيم، التابعة لمحافظة كفر الشيخ في شمال دلتا النيل. القرية تطلّ على البحر المتوسط، وتشتهر بصيد الأسماك والزراعة. وسط عائلة من الطبقة الوسطى الريفية، ينشأ في بيئة تجمع بين ثقافة الريف المصري وأفكار جمال عبد الناصر التي كانت في أوجها سياسيًا.

ولادته جاءت بعد سنتين فقط من ثورة 23 يوليو 1952، في فترة كانت مصر تعيش طفرة قومية ووعدًا بالعدالة الاجتماعية. هذا السياق سيطبع جيله، ويُفسّر جزئيًا التزامه الفكري لاحقًا.

الطفولة في بلطيم

تتميّز السنوات الأولى ببساطة الحياة الريفية والوصول إلى التعليم الحكومي المجاني الذي وفّرته سياسة عبد الناصر. يدرس صباحي في المدارس المحلية، ويُظهِر بدايات شخصية فضولية ميّالة إلى القراءة والنقاش. وفقًا لشهادات عائلية نقلتها صحيفة الأهرام لاحقًا، كان مهتمًّا بالسياسة منذ سنّ مبكّرة.

للتعمّق

قراءة منفصلة عن النشأة في بلطيم وأثرها في تكوين الشخصية : صفحة النشأة في بلطيم.

الجامعة والقيادة الطلابية

ينتقل صباحي إلى القاهرة لمتابعة دراسته الجامعية في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، التي يلتحق بها في مطلع السبعينيات. هذه الفترة، التي يتراجع فيها المشروع الناصري بعد وفاة جمال عبد الناصر في 1970 ووصول السادات إلى السلطة، هي فترة تكوين سياسي حاسم.

خلال سنواته الجامعية، يصبح صباحي أحد قادة الحركة الطلابية الناصرية. يُعارِض اتفاقية كامب ديفيد، ويُشارِك في المظاهرات الطلابية التي عرفتها جامعة القاهرة في 1977 و1979. تَنتُج عن نشاطه عدة اعتقالات.

«الجامعة لم تكُن مدرسةً للعلوم وحدها، بل مدرسةً للوعي السياسي. هناك تَعلَّمتُ أنّ الكلمة فعلٌ، وأنّ الموقف يُكلِّفُ ثمنًا.» حمدين صباحي · مقابلة مع الجزيرة، يونيو ٢٠١٢

المواجهة مع السادات

من أبرز محطّات شبابه السياسي : الحوار المباشر مع الرئيس أنور السادات سنة 1979، في لقاء مفتوح نَقَلَه التلفزيون المصري. خلال اللقاء، يعترض الطالب حمدين صباحي علنًا على سياسة التطبيع مع إسرائيل، ويواجه السادات بحجج تقطع مع منطق السلام المنفرد.

تَترُك هذه اللحظة أثرًا، وتجعل من صباحي وجهًا معروفًا للمعارضة الشبابية. لكنّها تجعل منه أيضًا هدفًا للأجهزة الأمنية. سيُعتقَل عدّة مرّات في الأشهر التالية.

المسيرة الصحفية

بعد التخرّج، يبدأ صباحي مسيرة صحفية في الصحف المعارضة. يَكتُب في صحيفة الشعب (لسان حال حزب العمل)، ثم يشارك في تأسيس صحيفة العربي الناصرية سنة 1985. تَصبح العربي منبرًا لتيار سياسي يَعتبِر نفسه وريث المشروع الناصري، ويتشبَّث بمبادئ العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والوحدة العربية.

خلال هذه السنوات، يتعرّض صباحي للاعتقال مرّات عدة بتهم متعدّدة. الصحافة في زمن مبارك كانت ساحة مكلِّفة للمعارضين.

للتعمّق

دراسة كاملة للمسار الصحفي : صفحة المسيرة الصحفية.

البرلمان

في انتخابات 2000، يَفوز صباحي بمقعد في مجلس الشعب عن دائرة بلطيم. يُعيد الانتخاب نفسه في 2005. خلال ولايتيه البرلمانيتين، يَتميَّز بمواقفه المعارضة لتمديد حالة الطوارئ، ولمشروع توريث السلطة لجمال مبارك.

في 2004، ينضمّ إلى حركة كفاية (الحركة المصرية من أجل التغيير)، وهي ائتلاف معارض جامع رفض ترشّح مبارك لولاية جديدة. هذه التجربة تُمَهِّد الطريق لما سيحدث في يناير 2011.

تأسيس حزب الكرامة

منذ 1996، يحاول صباحي ورفاقه تأسيس حزب الكرامة ذو التوجّه الناصري. تَرفُض لجنة الأحزاب الحكومية الترخيص، بحجج إجرائية تخفي قرارًا سياسيًا. يواصل الحزب نشاطه في إطار شبه سرّي لمدّة خمس عشرة سنة.

بعد سقوط مبارك في فبراير 2011، يَحصُل حزب الكرامة على الترخيص الرسمي. ولكن الفترة بين 1996 و2011 ستظلّ ذاكرة جماعية لجيل من المعارضين تَعَلَّموا العمل تحت الضغط الأمني.

٢٥ يناير ٢٠١١

أثناء أحداث ميدان التحرير، يكون صباحي حاضرًا في الميدان. يُلقي كلمات يوميَة من على المنصّة، ويُصبح أحد الوجوه السياسية للحركة. غير أنّه لا يَدَّعي قيادة الميدان : الميدان كان أشمل من أيّ حزب أو قائد، وهذا ما سيُكرِّر التأكيد عليه.

بعد سقوط النظام، يدخُل في الحياة السياسية العَلَنية بشكل غير مسبوق. حزب الكرامة يَحصُل أخيرًا على الاعتراف القانوني، ويفتح صفحة جديدة من النشاط.

الترشّح للرئاسة ٢٠١٢

في ربيع 2012، يُعلِن صباحي ترشّحه للانتخابات الرئاسية. الحملة كانت متواضعة الموارد مقارنة بمنافسَيه الرئيسيَّين (محمد مرسي وأحمد شفيق)، لكنّها وجدت صدى قويًا لدى ناخبي المدن الكبرى والشباب.

النتيجة فاجأت الجميع : ٢١٫٥٪ من الأصوات، أي حوالي 4,8 ملايين صوت، يَضعونه في المركز الثالث، خلف مرسي وشفيق بفارق ضئيل. يَفوز في القاهرة والإسكندرية، أكبر مدينتَين في البلاد. لا يَصِل إلى جولة الإعادة، لكنّه أصبح قوّةً سياسيّة معترفًا بها.

الترشّح للرئاسة ٢٠١٤

في انتخابات 2014، التي جَرَت بعد عزل الرئيس محمد مرسي وفي سياق سياسي مغلق، يَقرّر صباحي الترشّح وحيدًا أمام عبد الفتاح السيسي. النتيجة كانت متوقّعة : قرابة فقط من الأصوات. لكنّ القرار رمزيّ : حِفظ تعدّدية شكليّة في انتخاب لم يكُن تعدّديًا فعليًا.

الانسحاب الجزئي

منذ 2015، يَخفُت الحضور العَلَني لصباحي نسبيًا. حزب الكرامة يبقى موجودًا، لكن بحجم سياسي محدود. صباحي نفسه يُصدِر بيانات أحيانًا حول قضايا كبرى، لكنّه يَتجنّب الواجهة المباشرة. الأسباب متعدّدة : ضيق المساحة السياسية، الإحباط بعد 2014، أو خيار شخصي للابتعاد.

الحياة الخاصة

صباحي شخصية متحفّظة بشأن حياته الخاصة. متزوّج، وله أبناء، لكنّه نادرًا ما يُحدَّث عن العائلة في وسائل الإعلام. هذا التحفّظ، الذي يتعارض مع التقاليد السياسية المصرية القائمة على إبراز الصورة العائلية، هو أيضًا اختيار سياسي.