لماذا أَتَرَشَّح أمام السيسي ؟
السياق
كُتب هذا المقال أَيامًا قَليلة بعد إعلان الترشّح. كان رَدًّا على المُنتَقِدين من اليسار الذين اعتَبَروا الترشّح «شَرعَنَةً» للسيسي. النصّ يَجمع بين الدِّفاع عن القَرار والاعتراف بِالأَلَم الذي يَرافِق هذا الاختيار.
«صديقي : أَعلَم لِماذا تَغضب. أَعلَم لِماذا تَكتب لي : "لا تَخرُج. لا تَمنح هذا الانتخاب شَرعية". أَفهَم. لكنّني أَختلِف. وَأَرجوك أن تَسمع.»
مَنذ سَنوات، نَتَجادَل أنا وَأَنت حَول السِّياسة. كنّا نَتَّفق على المبادئ، ونَختلِف أحيانًا على التَّكتيك. هذه المرّة الخِلاف عَميق. وَأَعرف أنّ صَوتك ليس صَوتك وَحدك : كَثيرون يَقولون لي ما تَقول.
الحُجَّة بَسيطة : إذا تَرَشَّحت أمام السيسي، فَأَنت تُمَنحه شَرعية. تَجعَل من الانتخاب «تَعَدُّديًا». تَخدم في الحقيقة بناء النِّظام الجَديد، حتى وإن خَسِرت. والمُقاطَعَة، على العَكس، تَفضح الانتخاب كانتخاب أُحادي، وَتُسَجِّل احتجاجًا تاريخيًا.
أَتَفَهَّم. ولكنّي لا أَتَّفق.
لِأَسباب :
المُقاطَعَة ليست فِعلًا، بل غِيابًا.
المُقاطَعَة كَلِمَة قاسية. تَترُك الفضاء كُلّه لِلسلطة. لا أَحَد يَنتقِد. لا أَحَد يَطرح بَديلًا. لا أَحَد يَجبُر السُّلطة على أن تَرُدّ. تَقول لي : لكن المُقاطَعَة تُسَجِّل احتجاجًا. أَيُّ احتجاج ؟ احتجاج صامِت لا يَسمَعُه أَحَد. السُّلطة تَستَفيد من الصَّمت أَكثر مما تَستَفيد من المعارضة.
الانتخاب الأُحادي خَطَر تاريخي.
انتخاب فيه مُرَشَّح واحد هو، في الذاكرة المصرية، انتخاب مبارك. هو الاستفتاء الوَهمي. لِذلك أَرفُض أن يَكون انتخاب 2014 أُحاديًا. أَرفُض أن يَنتمي إلى نَفس عائلة الاستفتاءات السَّابقة. وَجود مُرَشَّح ثانٍ، مَهما كان ضَعيفًا، يَكسِر هذا التَّماهي.
الحملة فُرصَة للتَّعبير.
حتى لو فَزَرت بـ3% من الأَصوات، خِلال الحملة سَأَقول أَشياء لا تُقال في الإعلام اليوم : عن قانون التَّظاهر، عن الاعتقالات، عن سَدّ النَّهضة، عن السياسة الاقتصادية. الحملة لَيست فقط حَملة فَوز، هي حَملة كَلام. والكَلام، في زَمن الصَّمت، فِعل.
المُستَقبل يَحتاج إلى وَجه آخَر.
إذا حَدَث وَجاءت لحظة سياسية جَديدة بعد سَنَوات، يَجب أن يَكون هناك وَجه مَعروف، رَفَض في تلك اللحظة. مَن لم يَتَرَشَّح في 2014 سَيَكون أَصعَب على الناس تَذَكُّره. الحضور حتى في الهَزيمة هو نوع من الالتزام لِلمستقبل.
ما يَوجَعني
ولكن، صَديقي، أَكتُب إليك أيضًا لِأَقول : أَنا لَستُ سَعيدًا بِهذا الترشّح. هذا قَرار مُؤلِم. لِأَنّ السياق لَيس سياقًا ديمقراطيًا. لِأَنّ الإعلام مُغلَق. لِأَنّ كَثيرين من حُلَفائي القُدامى يَنتقِدونني، وَأَفهَم لِماذا.
أَكتُب إليك لِأَقول : لا أَدَّعي العَصمَة. ربّما أُخطئ. التاريخ سَيَحكم. لكنّ القَرار يَجب أن يُتَّخَذ، وَلَيس عِندي خَيار رَفض الفِعل. اليَأس لَيس سياسة. الصَّمت لَيس فَضيلة.
«لا أَطلُب منكم أن تُؤَيِّدوني. أَطلُب منكم أن تَفهَموا. أَن تَتَّحِدوا بِالمَوقف حتى وإن اختَلَفنا على التَّكتيك. الفَرز بَيننا وَبَين السُّلطة أَهَمّ من الفَرز بَيننا وَبَين بَعضنا.»
أَنت تَقول إنّ هذا التَّرشّح يَمنح السيسي شَرعية. أَنا أَقول إنّ المُقاطَعَة تَترُك الفَضاء لَه دون مُنازِع. كِلانا قَد يَكون مُحِقًّا جُزئيًا. كِلانا قَد يَكون مُخطِئًا جُزئيًا. الأَهَمّ أَلَّا نَتَعادى عَلى هذا الاختلاف.
نَلتقي بعد الانتخاب. سَنُكَمِّل النقاش. وَسَنَجد، أَتمَنّى، طَريقة لِنَبني سَوِيًّا ما يَحتاج إلى بناء.
حَمدين صَباحي
القاهرة، فبراير 2014